نصر حامد أبو زيد
88
الاتجاه العقلي في التفسير
واحدا قديما أزليا قائما باللّه . ولعل في هذا كله ما يؤكّد أن مفهوم « القصد » على مستوى التركيب عند المعتزلة يتساوى مع مفهوم « المعاني النفسية » عند الأشاعرة . غاية الأمر أن المعتزلة يتحرجون من اعتبار المعاني والصفات قائمة بالذات لأن ذلك يؤدي إلى التركيب والتعدد اللذين يتنافيان مع التنزيه المطلق . ومما يؤكّد ما نذهب إليه من أن المعتزلة لم يكونوا مشغولين بقضية المتكلم في الشاهد ، أن القاضي عبد الجبار يعتبر أن معرفة قصد المتكلم في الشاهد هي معرفة اضطرارية ، على عكس معرفة قصد اللّه عز وجل التي هي معرفة استدلالية نظرية . وهي معرفة سابقة على وقوع الدلالة الشرعية - الكلام - وضرورية لفهمها « إن الكلام في الشاهد صح أن يدلّ بالمواضعة والقصد ، ولنا طريق إلى معرفة الكلام بالادراك والمواضعة بالأخبار ، وما يجري مجراها ، والقصد بالاضطرار . فصحّ ، عند ذلك ، أن يعرف به الغرض ، ويصير كالدلالة في الشاهد . ولا يصحّ أن نعرف قصده تعالى باضطرار ، لتعذر ذلك مع التكليف . فوجب أن نعرفه بالاستدلال » 163 . انتهينا من مناقشة جانبي الدلالة اللغوية ، أو دلالة الكلام ، ونرى من الضروري أن نشير إلى جانب الوظيفة في دلالة الكلام . ولقد ركّز الجاحظ على جانب « الإبانة » بينما ركّز القاضي على جانب « الإنباء » . ومفهوم « الإبانة » أوسع دون شك من مفهوم « الإنباء » لأنه يتضمّن علاوة على جانب « الإنباء » جوانب أخرى تناولها الجاحظ ، لا باعتباره معتزليا ، بل باعتباره كاتبا منشئا أديبا . ويهمنا هنا أن نحاول تفهم مفهوم « الإنباء » عند القاضي عبد الجبار . ولقد رأينا - فيما سبق - أن التسمية ، أو اطلاق الأسماء على الأشياء تعدّ مسألة ضرورية وذلك للإخبار عن الأشياء حالة غيابها عن الحواس . وأنها بذلك تعدّ بديلا للإشارة التي لا تتمّ إلّا في حضور الشيء . أمّا الأشياء التي لا تظهر للحواس أصلا ، فيجب تسميتها ليمكن الاخبار عنها والتعريف بها . ورأينا أن العلاقة بين الاسم والمسمى هي علاقة انفصام كاملة ، ولا يربط بينهما سوى قصد المتواضعين ، ولذلك يجوّز المعتزلة قلب الأسماء عن مسمياتها « ولو أن أهل اللغة بدا لهم في العربية على الوجه الذي تواضعوا عليه وغيروه حتى يجعلوا ( قديما ) مكان ( محدث ) و ( عالما ) مكان ( جاهل ) و ( طويلا ) مكان ( قصير ) كان لا يمتنع . . . فلو سمي السواد بياضا والجوهر عرضا لم يؤثر ذلك فيه ولكان حاله كحاله الآن وهو مسمى بما يسمى به » 164 . وإذا كانت العلاقة على مستوى المفردات اللغوية علاقة انفصام ، فإنها كذلك